Banner 468

الأربعاء، 15 أبريل، 2015

تلخيص وفوائد من كتاب "مستقبل الإسلام" للمستشرق الإنجليزي المسيحي ويلفريد سكاون بلنت

يمكنك تحميل هذا التلخيص في صورة ملف pdf من خلال الرابط:
الكتاب مقدم بشكل توصيات للحكومة والمسئولين والمواطنين في بريطانيا عن وضع العالم الإسلامي والسياسات التي يجب تنفيذها لتحقيق المصالح البريطانية، نُشر على هيئة أعداد شهرية في مجلة Fortnightly review سنة 1881.

وضعنا ملخص لأهم المعلومات الواردة في الكتاب من وجهة نظرنا، مع ترتيب لمواضيعه لتظهر بصورة أكثر ترابطاً، وتعليقاتنا الإضافية على ما في الكتاب ذكرناها بين الأقواس.

معلومات عن بلنت من مقدمة المترجم د.صبري محمد حسن:

ويلفريد سكاون بلنت  Wilfrid Scawen Blunt مستشرق انجليزي مسيحي، شاعر وكاتب، ولد سنة 1840 وتوفي 1922م، كان يعمل في السلك الدبلوماسي في عديد من السفارات التابعة لبريطانيا، ذهب إلى اليونان وألمانيا وإسبانيا وباريس وسويسرا وأمريكا الجنوبية والبرتغال واسطنبول والجزائر ومصر والحجاز وغيرهم، ولمعرفة تفاصيل هذه الرحلات يرجع إلى الكتاب.
الكاهن المسيحي لويس الصابونجي هو الذي علَّم بلنت اللغة العربية، وكان يترجم برقيات عرابي قبل إرسالها إلى بلنت، كما كان يترجم رسائل محمد عبده قبل إرسالها إلى رئيس الوزراء البريطاني، وكان حلقة الوصل بين بلنت وأعضاء الحزب الوطني.

يذكر بلنت في زيارته للفيوم بمصر أن الضرائب زادت وكانت النساء تبيع ذهبهن، الضرائب فُرضت بسبب الضغوط الأوروبية في عهد الخديوي اسماعيل والمفتش اسماعيل صدقي، وكان الشعب ينظر لانجلترا على أنها الغوث من الظلم، وذلك لأن السياح الانجليز كانوا معطائين ولأن بريطانيا لم تشارك في الحروب الصليبية.
الخديوي اسماعيل أقام مأدبة كبيرة لعلية القوم كان بلنت مشاركاً فيها، وكان الشعب المصري مقسم لغنى فادح وفقر مدقع.

اشترى بلنت قصر حديقة الشيخ عبيد بالقاهرة من مفوضي الأملاك الأميرية.

فوائد من كتاب "مستقبل الإسلام" لبلنت:

يقول بلنت أن جدة بمثابة سوق استخبراتية لكل ما يحدث في العالم الإسلامي لأنها ميناء بحري يأتي إليها وفود الحجاج فهي ملتقى المسلمين من سائر بقاع الدنيا.

وفي جدة كان بلنت يلتقي ببعض العلماء ويسألهم ويقدم نفسه إليهم ويقول أن ذلك حقق له لقائهم بعد ذلك في الشمال.
وضع بلنت إحصائية في الكتاب لتعداد المسلمين في العالم الإسلامي، وفي نسبة الحجاج منهم أخذها من سجل رسمي بريطاني في جدة وراجعها ممثلين قنصليين في جدة ومن احصائيات حصل عليها من القاهرة ودمشق بالإضافة لأبحاثه الخاصة.

كان الحجاج يأتون من سائر بقاع العالم الإسلامي وبعضهم يقرر البقاء للحياة والموت في المدن المقدسة (مكة والمدينة).

يقول بلنت أن المعتقدات الرئيسية للمسلمين جميعاً بكل طوائفهم:
1.  الإيمان بإله واحد هو خالق ومدبر كل شئ.
2.  الإيمان بالآخرة والثواب والعقاب.
3.  الإيمان بالوحي السماوي الذي نزل على الأنبياء خاتمهم محمد وأن هذا الوحي ليس عقدياً فقط بل وحي وممارسة وتطبيق وقاعدة كونية حياتية لكل البشر في السياسة والتشريع والمذاهب والأخلاق.
4.  الإيمان بأن القرآن هو كلام الله والإيمان بتفسيره الذي أخبر به النبي وصحابته والمسمى بالحديث الشريف.
ويقول أن هناك مذاهب إسلامية مختلفة لكنها ليست شديدة التباين والتنافر كما في المسيحية، وأن اتفاق ومصالحة هذه المذاهب ليس مستعصياً، لأنهم يُصّلون في مساجد بعضهم البعض ويقومون بنفس شعائر الحج، ولا يصفون معتقدات الفرق الأخرى بأنها ملعونة تماماً إلا الوهابية الذين يرمون باقي المسلمين بالشرك وعبادة الأصنام.

ويقول أن تعداد المذاهب:

1.  السنة أو المسلمون الأصوليون 145,000,000
2.  الشيعة 15,000,000
3.  الإباضية 7,000,000
4.  الوهابيون 8,000,000
تحدث بلنت عن هذه الطوائف الأربعة:

السنة: وصفهم بالأصوليين وشبههم بالكاثوليك في المسيحية، ويقول بالإضافة للمعتقدات الأساسية لسائر المسلمين السابقة فالسنة يعتبرون أقوال الخلفاء في العصور الثلاثة الأولى بمثابة الوحي (القرون الثلاثة الأولى)، وكذلك أقوال الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل لها اعتبار كبير عندهم، تجئ بعد ذلك درجة كبار العلماء، ويقولون أنه لا يصح الاعتراض على الشريعة.

ويتعاملون مع المذاهب الأخرى أنهم بدعيون (الشيعة – الإباضية – الوهابية).

ويقول رغم ذلك طرق أهل السنة مختلفة وكثيرة لكن هذه الطرق تسير في اتجاه رئيسي واحد (الاتفاق على الأصول والاختلاف في الفروع)، وأنه لا يوجد في الإسلام منصب مماثل للبابوية المعصومة من الخطأ كما في المسيحية.
وأن كل الأمم الإسلامية لها مذهبها الفقهي الخاص، وأن هذه المذاهب الفقهية ثلاثة وهي الحنفية والمالكية والشافعية، وهناك مذهب رابع الحنبلية لكن أتباع هذه المدرسة قليل يكاد لا يُذكر.

المذهب الفقهي الواحد مكون من مجموعة علماء هذا المذهب يرأسهم مفتي أو شيخ الإسلام وهذه المدارس مستقلة عن التأثير أو النفوذ الخارجي (لعله يقصد النفوذ السياسي)، ولا يوجد سلطة مركزية للإفتاء في مكة أو أي دولة أخرى، وأن الفتاوى التي تصدر في بلد غير مُلزمة للمسلمين في بلد آخر.

الحنفية مذهب السلطة العثمانية والمسؤولين في الدولة، وكذلك الحكام المنوبين في مصر وطرابلس وتونس، والعلماء أصحاب هذه المدرسة محافظون مصرون على أن باب الاجتهاد مغلق، وأن أي اجتهاد لا ينتظر منه تكييف الشريعة مع العالم الحديث، ورغم ذلك يقول بلنت أن هناك فرق بين الآراء الفقهية عند الأحناف وتطبيقها، فهناك اضطرابات أخلاقية شائعة عند الأتراك.

يقول أن الحجاج الأتراك أقل نسبة من حجاج الإسلام لأن الشبان يعملون في الخدمة العسكرية والمسؤولين ليس لديهم الوقت للتغيب عن مهام الدولة للحج، ومشاق الحج والسفر ولبس الحج وحرارة الحجاز وفترة الانتظار الطويلة في الموانئ لا يتحملها التركي، لذلك فهو نادراً ما يقوم بالحج.

ويقول أن الحج المصري أكثر ازدهاراً لأن عادات الحجاز شبيهة بالمصريين وطقسها قريب من طقس مصر، وصلة الحجاز بمصر أوثق من صلتها بتركيا لأن سلاطين مصر كانوا حماة الأراضي المقدسة، والحاكم المناب في مصر يرسل المحمل والكسوة مع السلطان العثماني، بالإضافة إلى الجامع الأزهر الذي يعتبر علماؤه الأكثر ذيوعاً وشهرة في العالم الإسلامي.

ويذكر بلنت أن المذاهب الفقهية الثلاثة تُدَّرس في الجامع الأزهر، ويعتنق الحاكم المناب وحزبه وأحفاد البكوات الشراكسة المذهب الحنفي، لكن كبار تجار المدينة وعامة المدينة يعتنقون المذهب الشافعي، بينما الفلاحون سكان الدلتا وقبائل غرب الدلتا يعتنقون المذهب المالكي.

يذكر بلنت أن تعداد علماء الأزهر 500 شيخ منهم 200 من الشافعية و200 من المالكية و100 من الأحناف و5 من الحنابلة، كل قسم من هذه المذاهب له شيخ كبير يفتي في مسائل المذهب، وهناك شيخ للإسلام يفتي في المسائل التي تهم الجميع، وسماحة المفتي يعين من الحكومة ليفتي في المسائل الشرعية ويكون حنفياً، والسواد الأعظم من الطلبة شافعية الذين يقدر عددهم بـ 1500 طالب.

ويقول بلنت أن المالكية أكثر المسلمين حماسة وأصولية، والتقوى عندهم ظاهرة وباطنة، وقدوتهم عبد القادر الجزائري المحارب، ويكثر وجود الأولياء بينهم، وهم أكثر المسلمين اهتماماً بالحج في الجزائر والمغرب، ويقول أن أعراق الأفارقة في طرابلس وتونس والجزائر والمغرب شديدة البأس قادرة على خلق المتاعب والأوجاع لأوروبا، ورغم ذلك فالحج الجزائري هو الأصغر بسبب الاحتلال الفرنسي وما تفرضه الحكومة الفرنسية من صعوبات (الجزائر كانت محتلة من فرنسا في ذلك الوقت)، ويقول أن مستوى التعليم الديني بين المغاربة أوسع منه بين السواد الأعظم من المسلمين وأنهم يختلفون عن باقي أهل السنة في عدم اعترافهم بالخلافة العثمانية.

ويذكر أن وسط أفريقيا يعد أفضل وأنسب مكان لنشر الإسلام، حيث أن التبشير المسيحي بطئ في أفريقيا فهو لا يناشد الكرامة والاحترام للشخص ولا يتيح للمسيحي الزواج من زنجية ولا المساواة بين المسيحي والزنجي، أما التبشير الإسلامي فهو مختلف تماماً فهو يقول للزنجي: "تعال واجلس بجانبي، أعطني ابنتك وخذ ابنتي، كل من يعتنقون الإسلام متساوون في هذه الدنيا وفي الآخرة أيضاُ".

وبالنسبة للمدرسة الشافعية يذكر بلنت أنها الأكثر انتشاراً بين المدارس الفقهية الثلاثة، ميالون للبحث عن مجتهد جديد، ويرون أن هناك خطأ في الأوضاع بالصورة الحالية (في عهد بلنت) وأن الإسلام لم يعد مزدهراً من الناحية السياسية ويودون أن يروا الإسلام متحداً من جديد، وتشيع بينهم أفكار عن الإصلاح الخُلُقي، وهي مدرسة الفقراء الفضلاء وأكثر إنسانية في توجهها نحو اليهود والنصارى، والشافعية هي المدرسة السائدة في القاهرة وفي شرق آسيا والهند.

الحج الهندي هو الأكثر عدداً، وهو الأغنى والأثرى والحكومة البريطانية لا تعرقل ولا تشجع الحج الهندي (الهند كانت محتلة من بريطانيا في ذلك الوقت)، والهند لها علاقة مع مكة أكثر من أي بلد آخر وينظر الكثيرون إلى الهند باعتبارها أرض الإسلام في المستقبل ويعيب بلنت عدم اهتمام الدراسات البريطانية بشأن الهند.
(لاحظ كيف كان المسلمين السنة متبعين للمذاهب الفقهية منذ القرون الأولى حتى سقوط الخلافة العثمانية وظهور أصحاب نبذ المذاهب وتوحيدها كما اقترح بلنت وسيأتي بيان ذلك).

تحدث بلنت فيما بعد عن الشيعة وذكر بعض أهم أصولهم:

1.     التبرئة من الخلافة والسلطة الهرمية بكل أنواعها.
2.     الإقرار بالحكم الحر عند العلماء.
3.     ميل عام إلى المعتقدات الخرافية التي لا يقرها القرآن أو السنة.
ويؤمنون أيضاً بسلسلة من التجسيدات لصفات الله تعالى في شخوص أئمة اثنى عشر ويؤمنون بمجئ آخر هؤلاء الأئمة في شكل مسيح أو مهدي بعد خروجه من السرداب، وذكر جملة معتقدات أخرى كثيرة يرجع لها بالتفصيل في الكتاب.

ويذكر أن تعداد الشيعة حوالي 15 مليون نسمة، 5 مليون في العراق، وقلة في سوريا وأفغانستان، ونحو 5 ملايين في الهند، ومجموعة صغيرة قرب المدينة المنورة والبعض في مدن الغرب، ويتخذ الشيعة موقفاً عدائياً من باقي المسلمين، ويقول بلنت أن العداء بين السنة والشيعة أخذ ينخفض بشكل ملحوظ خلال الـ50 سنة الأخيرة.

وذكر فيما بعد الإباضية وأنهم متفرعون عن الخوارج، يتواجدون في عمان وزنزبار، وأهم أصولهم أنه يجوز لأي مسلم أن يكون إماماً وليس عندهم اشتراطات فيه معينة كما يجوز عزله، وذكر أن زيود اليمن متحالفون مع الإباضية ومنفصلون عنهم وفي صنعاء بعد تدمير الخلافة في بغداد كان يسمى الإمام فيها بحامي الحرمين الشريفين وأن لهم مكانة كبيرة في الحجاز وعدد الزيود لا يزيد عن مليونين وليس للإباضية والزيود أتباع خارج بلادهم.

الوهابية: يصفها بلنت أنها حركة إصلاحية راديكالية أصولية نادى بها محمد بن عبد الوهاب، حيث بدأ بالانشقاق على المعيار الذي يعتنقه أهل السنة الأصوليين كلهم والذي مفاده أن باب الاجتهاد قد أُغلق، ونصب ابن عبد الوهاب نفسه مجتهداً جديداً وأسس مدرسة جديدة لا هي بالحنفية ولا المالكية ولا الشافعية ولا الحنبلية وأطلق عليها اسم مدرسة الموحدين، ورفض الأحاديث كلها باستثناء الواردة عن صحابة النبي وأنه أقام الإسلام السياسي في الرياض.

ويقول أن الرؤساء من أبناء سعود بسطوا سيطرتهم على شمال الجزيرة العربية إلى نهر الفرات قبل نهاية القرن الثامن عشر واستولوا في العام 1808 على مكة والمدينة، وأن الهند ومصر وشمال أفريقيا والكثير في تركيا كانوا على وشك اعتناق تلك المعتقدات الجديدة، لكن يقول بلنت أن أمرين حالا دون ذلك وهما: رجعية ذلك الإصلاح، والإصرار على بعض الفروع.

حيث أدان محمد بن عبد الوهاب المآذن وشواهد القبور وجرى هدم المآذن في كل مكان، وعندما سيطروا على الأماكن المقدسة في مكة والمدينة قاموا بتسوية قبور الأولياء والصالحين بالأرض وكانت تحظى بالتوقير عند كافة المسلمين على امتداد قرون، وجرى إهمال قبر النبي والقاء المهملات به وسرقوا الكنوز التي كان يحتوي عليها ووزعوها على جنود ابن سعود مما أدى إلى إثارة غضب وسخط العالم الإسلامي كله وأوقف نجاح المد الوهابي.

كان العالم الإسلامي الخارجي ينظر إلى الوهابيين باعتبارهم همجاً منتهكين للحرمات؛ ولذلك تخوف الناس من زيارة مكة وانخفض عدد الحجاج الأمر الذي أزعج الحجازيين ورأوا أن استمرار ذلك سيقطع رزقهم، وهنا استغاث الحجازيون بالسلطان في اسطنبول لإثبات أنه حامي الحرمين الشريفين، فكلف السلطان محمود محمد علي بتخليص مكة والمدينة من الوهابيين البدعيين، وجرت الحرب على أرض نجد وتم سلب الدرعية وجرى أسر ابن سعود وقطعت رأسه أمام مسجد آيا صوفيا في اسطنبول وهكذا جرى تعطيل حركة الإصلاح 100 عام أخرى.

وذكر بلنت أن تلك الحركة رغم فشلها في بث روح سياسية جديدة في ذلك الوقت، إلا أن الروح الإصلاحية لها بقيت ودامت، وشبه بلنت تلك الحركة الوهابية بحركة الإصلاح المسيحي التي قام بها مارتن لوثر في أوروبا وقال أن شخص أكثر حكمة من محمد بن عبد الوهاب يمكنه أن يلعب في الإسلام السني الأصولي الدور الذي لعبه لويولا أو بوروميو في إصلاح الكنيسة. (أي بفتح باب الاجتهاد وتأويل النصوص لأي شخص المبدأ الذي وضعه في الإسلام مؤسس الوهابية).

(مارتن لوثر قاد حركة عنيفة للثورة على الكنيسة الكاثوليكية وأنشأ المذهب البروتستانتي، بينما أغناطيوس دي ليولا وتشارلز بروميو Charles Borromeo أحدثوا إصلاحات غير عنيفة داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها).

وعن الخلافة الإسلامية يقول بلنت:

سليم الأول لقب نفسه حامي الحرمين وأمير المؤمنين وخليفة رسول الله، لم تعترف مكة بالخلافة العثمانية إلا بعد وفاة سليم الأول بخمس سنوات.

وذكر أن كل المدارس المذهبية (الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية) تسلم أن الانحدار من قريش يعد الشرط الأول من شروط الخليفة.

ويقول بلنت أن مسألة الخلافة العثمانية حظيت بنقاش طويل في المدارس المذهبية، حيث لم يكن أي فقيه من فقهاء المدارس المذهبية يقر الخلافة في غير قريش، إلا أن المدرسة الحنفية التي ينتمي لها العثمانيون  قالت أنه يجوز أن تكون الخلافة في غير قريش في حالة عدم وجود أي منافس أولى يعارضهم من قريش، ومن ثم وافق معظم علماء السنة على ذلك بطريقة ضمنية (على مضض). ونسى الجميع ذلك النزاع مع الوقت إلا أن بلنت يقول أنه تمت إثارته مجدداُ في زمانه وأذيعت الخلافات على الملأ لخدمة أهداف سياسية (للثورة على الدولة العثمانية).

ومبررات الأحناف لصحة الخلافة في غير قريش بذلك الوقت:

1.     الاحتكام بالسيف وعدم وجود المنافس، فمتى غلب الإمام بالسيف صار خليفة.
2.     الانتخاب وموافقة أهل الحل والعقد.
3.     التسمية حيث حصل سليم الأول على تنازل من المتوكل عن لقب الخليفة الشرفي.
4.     خدمة الأماكن المقدسة: الحرم المكي والمدني والقدسي.
5.     امتلاك المأثورات والممتلكات القديمة الخاصة بالنبي والصحابة والصالحين كعباءة النبي وبعض شعراته صلى الله عليه وسلم وسيف سيدنا عمر.
تحدث بلنت بعد ذلك عن الخلافة الإسلامية، وأن الطور التاريخي الأول كان شرائعي خالص يمثل الخلفاء الأربعة لمدة 30 سنة (خلافة على منهاج النبوة).

الطور الثاني استمر 600 سنة وهو طور الملكية العربية الذي اتخذت فيه الخلافة شكل الوراثة بدأت بمعاوية مؤسس الأسرة الأموية المالكة وانتهت بالمعتصم بالله آخر السلاطين العباسيين.

خلافة الأمويين دامت 85 عاماً في دمشق ثم انتزعها منهم بني العباس الذين نقلوا الخلافة إلى بغداد وحكموا 5 قرون.
أنهى هولاكو المغولي هذه الدولة عندما سلب ونهب بغداد سنة 1528م.

الطور الثالث هي مرحلة تداخل الحكم الدنيوي 300 عام، سلطة الإسلام الدنيوية مخولة للمماليك في مصر والأمراء المسلمين الآخرين.
المغول الذين دخلوا في الإسلام أسسوا امبراطورية في الشرق وحكم السلاجقة الأتراك آسيا الصغرى وكانت الولايات البربرية لها حكامها ومصر محكومة بواسطة المماليك.

الطور الرابع مرحلة الخلافة العثمانية.
بدأها سليم الأول، وكان كل سلطان من سلاطين الدولة العثمانية يخلف غيره ينتظر تسليمه سيف المنصب من قبل العلماء قبل الاعتراف به في منصب الخليفة ويجري ذلك بمراسم احتفال في مسجد أيوب.

السلطان العثماني كان يعرف في الهند: بادي شاه – سلطان الروم أو الامبراطور الروماني.

يذكر بلنت تاريخ حكم الأشراف لمكة والمدينة وأن الحكام على مر التاريخ الإسلامي دوماً عينوا نواباً من الأشراف لحكم المدينة، ومع القضاء على الخلافة العربية 1259 بدأت أسرة الأشراف تستقل بنفسها معتمدة على مساعدة السلاطين المصريين لها، وأيضاُ على إمام صنعاء في حمايتها من بدو نجد وعسير الذين لم يكونوا مسلمين في ذلك الوقت ولو بالاسم، كان سلطان مصر الحامي الشرفي للأماكن المقدسة وكان هو الذي يرسل الصرة أو المساهمات والتبرعات الدينية المقدمة من المؤمنين، وكان هو الذي يوفر الحرس الذي يرافق الحجاج كل عام إلى الأماكن المقدسة، وعليه أعاد قايتباي بناء مسجد المدينة عام 1476 وكان يرسل كل عام إعانة تقدر بـ7500 إردب قمح للحضر، كان هناك أمراء آخرون يقدمون تبرعاتهم أيضاً وحصلوا على ألقاب شرفية لها علاقة بالأرض المقدسة منهم شاه بلاد فارس والمغول والعثمانيون وكانت أول علاقة للعثمانيين بمكة في عام 1413 عندما قام البادي شاه محمد خان الأول بإرسال صُرة (حقيبة مليئة بالذهب) إلى الشريف ليجري توزيعها على شكل صدقة، وحصل البادي شاه من الشريف على لقب خادم الحرمين خادم الضريحين وظلت تلك العطية كل عام من قبل البادي شاه العثماني، مما مهد الطريق بعد ذلك إلى الاعتراف بهم خلفاء، وسبب اعتراف الأشراف بخلافة غير قريش ضعف حكومة مكة في القرن السادس عشر والتهديد المستمر بواسطة العمانيين المتمردين من ناحية (الإباضية) وبواسطة قبائل نجد من الناحية الأخرى وبخاصة أن الحدود على هاتين الناحيتين كانت بلا دفاعات، لم يستطع الشريف الأكبر حماية طريق الحج من السلب والنهب في حدود الموارد المتوفرة له، لذلك اعتمدوا على حامي آخر.

وكان السلاطين العثمانيين يقدمون المعونات والهدايا للأشراف، وفور الاعتراف بسليم الأول أمر بزيادة 5000 إردباً إضافياً من القمح، وتحمل سليم الأول ومن جاءوا بعده نفقات إصلاح وصيانة الأضرحة وتحسينها، ولم يجري إخضاع الحجاز من الداخل أو فرض أي نوع من الضرائب، ولم يكن الجيش العثماني يظهر أمام أسوار المدينة المنورة سوى مرة واحدة في العام على رأس الحج القادم من دمشق وحاملاً للصرة المرسلة إلى الحجاز، دخلت القوات الأجنبية إلى الحجاز للمرة الأولى سنة 1812 مع حملة محمد علي ضد الوهابيين، وعزل الشريف غالب حاكم مكة وعين آخر من الأشراف وأعلن سيادته على البلاد وارتضى المكيون هذه الأعمال بسبب خوفهم من الوهابيين.

وفي حال قيام السلطان العثماني بالحج فإن الشريف في مكة يستقبله على أنه أقل منه مكانة، فأسرة الأشراف محاطة بهالة من النفوذ الديني.

ذكر بلنت شيئاً عن فكر نابليون وأنه كان ينصب على تحويل فشله في أوروبا إلى نجاح في آسيا ونطق بالشهادتين في القاهرة ليكون خليفة للمسلمين! ولم يكن ذلك غريباً على المسلمين  في ذلك الوقت، فقد سبق ونسب التركي سليم الأول لقب الخليفة إلى نفسه في 1519 وكان وقتها أغرب من طلب نابليون الخلافة فيما بعد 1799.

محمد علي تأثر بخط نابليون العملي، وكان معرضاً لتهمة التحرر، وعمل على تحقيق الزعامة ففي عام 1839 كانت مكة والقاهرة والقدس في يد محمد علي وكان يتقدم في آسيا الصغرى زاحفاً إلى اسطنبول راغباً في نيل الخلافة، لكن هذه المحاولة أوقفتها انجلترا فقد أعيد الأرناؤوطي إلى المنصب الملكي المناب في مصر.

السلطان العثماني عبد الحميد الأول رُمي بالمروق من الدين وابنه عبد الحميد الثاني تم عزله  لاتهامه بالخروج على الشريعة.

يقول بلنت عن السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله أنه لم يكن شهواني محب للملذات ولا أبله ولا فاتناُ، ذو طلعة لا يمكن للإنسان إلا أن يُعجب بها، يمثل الحنفية المتشددة، صاحب علم، محباُ للجغرافيا والتاريخ، وعلى الرغم أنه لم يكن عالماً إلا أنه كان لديه شئ من المعرفة الدينية. وذكر أنه يقال أنه كان محافظاً على الصلوات في حياته الخاصة، وكان يجاري عادة السلاطين الأتراك في الزواج، وكان راعياً للدراويش وصناع الخوارق والأولياء ولا يألوا جهداً في البحث عن هؤلاء واستقبالهم استقبالاً طيباً، وفي الحكم يلتزم التزاماً صارماً بالشرع في كل ما يقوم به من أعمال، وفي حالة الشك يستشير دائماً المفتي أو شيخ الإسلام، وهو دوماً يكشف عن عزمه في مقاومة المطالب الأوروبية عندما تتعارض مع الشريعة، وكان له من الشجاعة قدر مكنه من القبض على مدحت باشا ومحاكمته على مسمع ومرأى من أوروبا التي كانت تحميه.

مما أكسبه تأييد كبير في العالم الإسلامي حتى كان مسلمي الهند يدعون له في مساجدهم وكسب تأييداً في تونس وشمال أفريقيا الذين كانوا يعارضون تماماً الانضمام للواء أي سلطان عثماني، وسمى بلنت عبد الحميد ومؤيديه بالجماعة الرجعية (لأنه كان ملتزم بالشريعة والمذهب الحنفي).

قال أن برغم ذلك السلطان العثماني لن يدوم وسيزاح بمجرد وجود منافسة ناجحة، والرأي السائد أن عبد الحميد سيكون آخر خليفة من البيت العثماني، وينصح بلنت بريطانيا بالعمل بطريقة شرعية لتوجيه مسار الأحداث للمصالح البريطانية.

يشير بلنت إلى أثر النبوءات في عزل عبد الحميد، حيث تشير نبوءة إلى اقتراب حتف الأتراك بوصفهم عرقاً مفسد وهذه النبوءة تحدد العام 1883 على أنه العام الذي يجب فيه حدوث هذه الأمور وتحدد حمص في شمال سوريا مسرحاً لآخر مشاهد هذا الصراع (الملحمة الكبرى)، مما جعل الإحساس بالمصيبة القادمة متأصل تماماً وعام تماماً.

(لاحظ أن نفس هذه النبوءات التي استُخدمت لإسقاط الخلافة العثمانية، هي نفسها تثار الآن لتشجيع الثورات العبرية).
وذكر أن حزب تركيا الفتاة يناصب العداء لعبد الحميد وإذا وصل للسلطة سيقوم بفصل الدين عن الدولة كما فعلت أوروبا في تعاملها مع البابوية (وذلك حدث بالفعل في تركيا).

ويقول أن التغيير أياً كان فهو في طريق التركيز وليس التوسع (تركيز البلاد الإسلامية وتضييق نطاقها وليس توسعها)، وأنه لم يعد يفكر المسلمون بغزو أوروبا وأن أقصى ما يمكن أن يتطلع إليه الإسلام هو المحافظة على مواقعه الحالية وتحرير مناطقه الضائعة في كل من الهند وشمال أفريقيا من الحكم المسيحي.

قال أن القاهرة أو مكة ستحل محل اسطنبول وسيحل العرب محل التتار، وذكر احتمالات مقر الخلافة الجديد بعد سقوط العثمانية أن يكون بغداد أو القاهرة أو دمشق أو شرق آسيا أو مكة.

ويؤكد بلنت أن أرجح الأماكن لقيام خلافة تلي العثمانيين هي مكة، خصوصاً لو ظهر رجل من قريش، ويفضل عدم تحديد المسار الذي ستسير فيه الأحداث إلا أنه يرجح احتمالية أن تكون مكة مقر الخلافة التالي للمسلمين، وأن رجل من قريش قادر على توحيد المذاهب المختلفة من السنة والشيعة والوهابية والإباضية وأن مسألة إعادة توحيد المذاهب فكرة تدور في أذهان المفكرين التقدميين.

ذكر بلنت شيئاً عن السنوسي في طرابس الذي ادعى المهدية وأنه كان لديه أتباع كثيرون يعتبرونه المهدي.

ويقول بلنت أن الإسلام ليس مقدر له الموت وأن الرأي السائد أن الإسلام غير قابل للتقدم والتغيير هو رأي لايوافقه بلنت، حيث يرى بلنت ظهور للأفكار الليبرالية، وأن كل من كانوا يحاولون كسر الشريعة باسم الإصلاح السياسي كان يطلق عليهم اسم مكسري القانون، ويذكر أن أولئك المصلحون أصحاب الأفكار الليبرالية يشبهون مصلحي المسيحية، حيث انتشار الفساد والظلم والفرق الطبقي تحت سلطة البابوات في أوروبا هو الذي أدى لظهور من يطالب بمراجعة النصوص المسيحية التي أدت لوجود هذا الفساد، ويظن بلنت أن تلك الظروف تتواجد في العالم العربي تحت ظل الحكم العثماني لذا يتوقع وضع النصوص الإسلامية تحت دراسات جديدة كما حدث في الكنيسة بأوروبا.

إلا أنه يقول أن تلك التحديثات لا يمكن تصل للشكل الذي وصلت له في أوروبا من ضياع العقيدة، حيث أن المسلم في أيامه يؤمن إيماناً مطلقاً بعقيدته ولا يوجد أي شئ من النوع الذي يطلق عليه المسلم الشاك، أو المسلم الذي لا يؤمن برسالة محمد السماوية، قد يهمل المسلم كل مهام مهنته وقد يكون مذنباً بكل الفواحش وقد يكون مكسراً للقوانين كلها وقد يكون أسوأ الرجال وأشدهم ضلالاً أو قد يكون تبنى لغة أوروبا أو الفكر الأوروبي إلى حد ما رغم أنه أمر نادر تماماً، قد يكون المسلم أيضاً مستهزئاً أو مجدفاً، ومع ذلك المسلم يؤمن إيماناً راسخاً أن القرآن هو كتاب الحق وأنه سيكون في يوم القيامة بصحبة أولئك الذين نجوا من جهنم بسبب تصديقهم وإيمانهم بالله ورسوله.

حيث كل من اختلط بالمسلمين يلاحظ الرضوخ الكامل الذي يتحمل به الرجال أوجاع الحياة، والصبر والجلد الذي يواجهون به نهايتهم، وأيضاً النسبة الكبيرة الذين يصلون ويصومون ويقومون بمخاطرة كبيرة عند التوجه لأداء الحج مع غياب الطابع الدنيوي من حياتهم بشكل عام، والمؤمنون الحقيقيون (في القول والفعل) نادرون بدون شك لكن عند وجودهم فإن عقيدتهم تسود حياتهم بصورة صارمة.

يقول أن السير توماس براون يذكر أن العالم الإسلامي أوسع من مجرد بقعة على الخريطة الجغرافية.

ويقول أنه لابد لأوروبا عند دراسة مستقبل الإسلام عدم الهرب من الاعتراف أن الإسلام لا يجب أن يعامل على أنه خرافة وإنما دين حقيقي طويل الحيوية والإسلام فقط وليس شئ آخر يثبت رسوخه في الذهن العربي.

ويقترح بلنت لتجديد الإسلام (اختراق الإسلام وتبديله حيث لا يمكن محوه) طريقين الطريق الأول عنيف ولن يدوم، والطريق الثاني هو الحل الحقيقي لقدر الإسلام (بحسب زعمه).

الطريق الأول هو تحقيق فكرة المهدي الذي يبعث على اختلاف واضطرابات ويظهر في أقصى الأرض ويدخل مكة بعد أن تسفك فيها بحور من الدماء وتفيض دماء المسلمين في كل مكان (ذكر بلنت الرؤية الشيعية للمهدي وليست السنية)، ويصف بلنت هذه الحركة بنطاق أوسع للحركة الوهابية ويذكر أنه بالفعل يوجد اثنان مدعي للمهدية السنوسي في طرابس وآخر في السودان، ويقول بلنت أن هذا الإصلاح شبيه بما قام به الحوسيين والمنادون بتجديد العماد في أوروبا وأنه إصلاح مؤقت ليس إصلاح حقيقي (إصلاح على نهج لوثر كينج في المسيحية).

(تجديد العماد –الأنابابتست- حركة مسيحية ظهرت مع بداية ظهور البروتستانت تطالب بعدم تعميد الأطفال وتجديد تعميد البالغين).

والطريق الثاني الذي يذكره بلنت إصلاح بوسائل غير عنيفة وبروح تقدمية ليست رجعية (على نهج لويولا وبوروميو في المسيحية)، وأن هذا وحده هو الإصلاح الحقيقي طبقاً لظروف الحياة الجديدة وحرية الفكر، ويذكر بلنت أن هذا الإصلاح كان على وشك الحدوث في القرن الثامن عشر لولا تدخل محمد علي (بصد هجمات الوهابيين الذين ادعوا الاجتهاد وانتقدوا المدارس الفقهية) ويذكر بلنت أن محمد علي كان يعتبر القرآن والأحاديث علماً محكماً عنده وكان يرى فقه أبي حنيفة شيئاً كاملاً وعندما أمسك السلطة أغلق الاجتهاد وانتصاراته العسكرية أدت إلى إحكام غلق المصير الفكري للإسلام، ويهاجم بلنت محمد علي هجوماً شديداً ويصفه بالتتري والمجنون، لأن حملات محمد علي أدت إلى تأخر الإصلاح الذي يريده بلنت الإصلاح الليبرالي الذي يعيد قراءة الشريعة ويؤدي إلى مصالحة حقيقية مع العالم المسيحي (هدف ذلك التجديد هو المصالحة مع العالم المسيحي)، وذلك الإصلاح الذي يريده بلنت هو في الفقه الإسلامي، حيث يضع الفقه القواعد الشرعية الخاصة بالعبودية والحرب والسبايا والزواج والطلاق وبلنت يعترض على هذا الفقه لأنه يرسخ فكرة الحرب مع أوروبا بينما يريد بلنت أن يكون المسلمين متعايشين بسلام مع جيرانهم وأن تنتهي فكرة التوسع الإسلامي خارج حدوده، ويقول بلنت أن ما يريده المفكرون أصحاب هذا الطريق هو تغيير المصدر الشرعي (القرآن والسنة وغيرهما من مصادر الفقه المعتبرة من إجماع وقياس) ويقول أنه لا يملك أي أحد ذلك ولايوجد محكمة في الكون يحيل إليها المسلمون شكوكهم لقراءة الشرع قراءة صحيحة.

وذكر بلنت أيضاً أن من أهداف بريطانيا إلغاء تجارة الرقيق، وذكر أنه لا يتعاطف تماماً مع الأفكار المضادة لتجارة الرقيق بالشكل الذي تجري عليه في الأراضي الإسلامية لأنه كما ذكر يعرف حق المعرفة مدى السماحة ومدى نفع الحالة الإجتماعية للزنوج في هذه الأراضي، ولكنه ذكر رغم ذلك أنه يتمنى وقف هذه التجارة.

ويكرر بلنت لابد من إلغاء العبودية (الرقيق) وإعلان عدم شرعيته بصورة أو أخرى ويجب وضع تفسير صارم لسماح القرآن بالزواج والطلاق وأن هذه التغييرات يجب القيام بها بطريقة منطقية عن طريق الاستقراء المنطقي للأحاديث وتوسيع أو تضييق التفسير القرآني (طريقة منطقية حتى يتقبلها المسلمون دون شك في أهدافها).

فالتخيل الذي يضعه بلنت أن يظهر قرشي يطلب الخلافة ويترأسها من مكة ويدعوا علماء المسلمين من كافة الأقطار لتغيير قوانين الشريعة وإعادة صياغة وتفسير فقه الشريعة، حيث يرى بلنت أنه لا بد من التوصل لحل مؤقت شرعي مع أوروبا وتكييف قوانين الإسلام مع النقاط التي تصر عليها أوروبا لمنع حدوث أي صراع، وأن المساواة القانونية لابد أن تعطى للمسيحيين الذين يعيشون في ظل القانون الإسلامي بينما يتعين على المسلمين الذين يعيشون تحت الحكم المسيحي الإذعان للقانون المسيحي في مسائل بعينها! (لاحظ كيف يطالب بلنت المسلمين بالإذعان للقانون المسيحي تحت الحكم المسيحي بينما يطالب المسلمين بتغيير دينهم الإسلامي وفق مصالح العالم المسيحي).

يذكر بلنت أن التنافس بين الباباوات والباباوات المضادين هو الذي عجل بالإصلاح الكاثوليكي في أوروبا كنتيجة لمؤتمر بازل 1431م (مؤتمر مكة الذي يدعوا له بلنت لتحريف الدين شبيه بمؤتمر بازل 1431م الذي تم لتجديد المسيحية).

ويذكر أن مثل هذه التغييرات ظهرت بالفعل من بعض علماء الأزهر (مدرسة محمد عبده الذي كان صديقاً لبلنت) إلا أنها لم تجد قبول لدى المؤمنين بشكل عام لأن من أصدروا هذه التغييرات ليس لديهم سلطة تغيير القانون، لذا يرى بلنت أن وضع رجل من قريش يدعي المهدية ويحكم من مكة ويجمع العلماء لوضع هذه التغييرات كنتائج مؤتمر سيلقى القبول المطلوب لهذه التغييرات التي يريدها بلنت! (أي تمكين مهدي مزيف من الخلافة الإسلامية لتغيير الدين الإسلامي على وفق ما تريده أوروبا).

وذكر أن في حالة حدوث هذا النوع من الإصلاح فإن حرية الارتداد عن الدين ستتضاعف (وهو ما تريده أوروبا ارتداد المسلمين عن دينهم).

ويذكر بلنت أن ذلك التجديد الذي يخدم مصالح أوروبا ينبغي أن يكون طبقاً للقواعد الخاصة بشريعة المسلمين (اختراق الدين بقواعده وقوانينه من داخله بالاستقراء المنطقي كما ذكر)، ويذكر أن العالم المسيحي يفعل الكثير من أجل إحداث نتائج عاجلة أو مباشرة، وأن يوم الكراهية بين المسلم والمسيحي قد اقتربت نهايته وتخلى العالم المسيحي عن مهمته اليائسة في محو الإسلام كما تخلى الإسلام أيضاً عن غزو أوروبا، وأن عهد الحروب الصليبية انتهى.

يقول بلنت بالرغم من نظرية التسامح الديني تلك بين الإسلام والمسيحية إلا أن الدول التي يواجهها الإسلام من الشمال والغرب لم تغير شيئاً من سياستها تجاه الإسلام حيث تريد أوروبا استعادة الأراضي المسيحية التي خسرتها (البلاد الإسلامية التي حررها صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين).

(يقصد بلنت بأوروبا البلاد التي شاركت في الحروب الصليبية، وانجلترا غير داخلة في تلك البلاد).

وضع بلنت تصور لحال العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة العثمانية الذي يراه أمر حتمي في سنوات قليلة، فذكر أن الطليان والإسبان شعوب مستعمرة من الدرجة الأولى، ومع سقوط الخلافة ستستعمر إيطاليا طرابلس (حدث بالفعل) وإسبانيا لها بالفعل موطئ قدم في تطوان بشمال أفريقيا، وفرنسا تحتل الجزائر بالفعل، وأن المزارعين من أوروبا سيهاجروا إلى شمال أفريقيا ويجبروا السكان الأصليين على التخلي عن ملكية الأرض، وذكر أن المغرب وفزان سيظلوا ولايات مستقلة إسلامية وحلقتي وصل بين الولايات الإسلامية في شمال ووسط أفريقيا، وقال أن وسط أفريقيا سيكون مناخاً مناسباً لانتشار الإسلام، وأن الإسلام محمياً بالصحراء الكبرى لصعوبة حياة الأوروبيين في ذلك المناخ، وأن خسائر الإسلام في أفريقيا ستكون شكلية أكثر منها واقعية، وقد تكون أفريقيا مصدر لقوة إسلامية جديدة.

كما ذكر احتمال حدوث هزيمة فرنسا في أفريقيا، وتوقع تغيير عقيدة الدول المسلمة في أوروبا بسقوط الحكم العثماني حيث سيتم ابتلاعها بواسطة الجيران المسيحيين (كان هناك بقاع مسلمة في أوروبا أثناء الحكم العثماني وقد تغيرت عقيدتها بالفعل بعد سقوط العثمانيين كما ذكر بلنت).

وتوقع خروج المسلمين المتحدثين بالتركية من الإسلام وأنهم سيكونون رعايا لأوروبا وكذلك في باقي المناطق المسلمة التي امتصتها روسيا وذكر بلنت أن خروج الأتراك من الإسلام سيعد انتقاماً وثأراً لهم (للعالم المسيحي) قد يشهده أطفالهم أو أحفادهم.

وذكر أن المناطق الشمالية الغربية من بلاد فارس، والتي يسكنها مسيحيون من أعراق مختلفة ويتحدثون التركية ومختلطون بالأرمن المسيحيون سيتقبلون المسيحية كدين سائد في نهاية المطاف.

وذكر أن السياسة الروسية الحالية أبعد ما تكون عن معاداة الإسلام في وسط آسيا، وأن هؤلاء المسلمون في تلك المناطق يتلقون التعليم الديني في بخارى وغير مرتبطين باسطنبول وليس هناك احتمال لتنصير بخارى مثلما يراد عمله في اسطنبول.

وبخصوص إيران ذكر أن الإيراني أولويته انتمائه لإيران فهو إيراني قبل أي شئ حتى أنشأ لنفسه إسلاماً خاصاً (الشيعي).

ذكر أن الإسلام في اسطنبول عقبة أمام الإصلاح (تم تحريف ذلك الإسلام السني الحنفي بالفعل بتنصيب أتاتورك وإلغاء الخلافة) والإسلام الشيعي لا يمثل عقبة لأنه مرن (لأنه محرف ولا يشكل خطورة على العالم المسيحي) وأن جهود بريطانيا لتحويل حكومة إيران لحكومة ليبرالية هي ضرب من الحماقة، وأن الإسلام الشيعي لا يشكل أهمية تُذكر في المراجعة العامة لمستقبل الإسلام.

وذكر أن إقامة امبراطورية إسلامية من مكة على الوضع الذي كانت عليه في اسطنبول يعد أمراً مستحيلاً، وأن على المسلمين الاهتمام بالجانب الروحي والأخلاقي والاعتماد على الأسلحة الروحية وليس الدنيوية.

يذكر بلنت اهتمام بريطانيا بالإسلام في مصر، ويذكر أن الاحتلال العسكري لمصر سيكون منغصاً للمحتل، وأن مصر كساحل البربر ليس من السهولة تغيير طابعها الديني مهما وقعت تحت أي محتل ، وذكر أن سكان الدلتا في مصر من النوع المجد جداً والواعي جداً ويرضون بالقليل جداً ولا يخشون المنافسة في الزراعة من الايطاليين واليونانيين والمالطيين، وظروف الشمس الحارقة ستحمي مصر دوماً من أن تصبح مستعمرة أوروبية، وأن الأجانب قد يجتاحون بعض البلدان لكن قلب مصر سيظل بلا تغيير، وأن مصر كالهند سترفض تشكيل نفسها طبقاً لأي منظومة من منظومات الحضارة الأجنبية.

ذكر أن الإصلاح الديني في بريطانيا فَصَلها عن أوروبا الكاثوليكية، بالإضافة لعدم مشاركتها في الحروب الصليبية، فليس عند انجلترا رغبة في الانتقام والثأر من العالم الإسلامي، كما لا يوجد مشاعر ضغينة تجاه انجلترا من العالم الإسلامي، بل ويظن بعض المسلمين الذين يصفهم بلنت بالجهلة أن بريطانيا مُوَحدون مثلهم (يؤمنون بإله واحد)، وبالتالي يقول بلنت أن العالم الإسلامي يرى أن النفوذ الانجليزي هو نفوذ صديق وليس معادياً، ويضع رؤية للعالم الإسلامي بعد سقوط الدولة العثمانية أن يتطلعوا لبريطانيا ويطلبوا منها التوجيه لحل مشكلاتهم السياسية! (لاحظ كيف كان يتم الترويج أن بريطانيا دولة صديقة في ذلك الوقت حتى انقضوا على العالم الإسلامي).

نادى بلنت أن تكون سياسة بريطانيا قائمة على إنشاء الصداقات مع أفضل عناصر الفكر في الشرق وأن عهد محاولة محو الإسلام والحروب الصليبية انتهى.

ذكر أنه بعد سقوط الخلافة العثمانية لابد أن تكون الخلافة تحت الحماية البريطانية، وأن العالم الإسلامي يواجه صحوة لا بد أن تتبناها بريطانيا، ويذكر أن بريطانيا لا تستطيع ولا يمكن لها القضاء على الإسلام ولا يمكن كذلك أن تتخلى عن علاقتها بالإسلام وبذلك عليها أن تتولى التوجيه والتغيير وفق مصالحها وأن هذا أفضل من قرن كامل من الحروب الصليبية.

*انتهى تلخيص فصول الكتاب، بعد كتابة هذه المقالات رحل بلنت من جدة إلى القاهرة، وهناك جمع هذه المقالات في كتاب وكتب له مقدمة في يناير سنة 1882، حيث اكتشف في ذلك الوقت تأثر بعض علماء الأزهر بالأفكار الإصلاحية الليبرالية التي طرحها بلنت وشاركوا في حركة الحزب الوطني (برنامج الحزب الوطني الذي طرحه محمد عبده صديق بلنت الذي تبنى تنفيذ هذه التغييرات) وذكر بلنت أن ظهور حاكم ليبرالي في مصر سيؤدي للصراع مع الحاكم الذي توقع بلنت ظهوره في مكة، وذكر أن هذه النبتة بدايات للإصلاح (تبديل الدين) الذي يريده بلنت في الأزهر حيث قال بالصبر يمكن نشر هذه الأفكار الليبرالية في العالم الإسلامي كله.


وفي النهاية نقول "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، نسأل الله أن ينفع بهذا التلخيص والتعليق، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، ونختم قائلين جزى الله عنا فضيلة الشيخ محمد الجنبيهي خيراً فهو الذي أشار في كتابه "بلايا بوزا" إلى مخططات بلنت في هذا الكتاب، وفضيلة الشيخ الجنبيهي له مقالات كثيرة في الرد على دعاة تغيير الإسلام بشقيه نسخة لوثر كينج الوهابيين ونسخة لويولا وبوروميو الليبراليين، فجزاه الله عنا خير الجزاء ورحمة الله عليه وبركاته.